السيد جعفر مرتضى العاملي

163

صفوة الصحيح من سيرة النبي الأعظم ( ص )

قريش ، فقال علي ( ع ) : أو تسلم بمبيتي هناك يا نبي الله ؟ قال : نعم . فتبسّم علي ( ع ) ضاحكاً وأهوى إلى الأرض ساجداً ، شكراً لله ، فنام على فراش النّبيّ ( ص ) ، واشتمل ببُرده الحضرمي . ثمّ خرج النّبيّ في فحمة العشاء ، « 1 » والرّصد من قريش قد أطافوا بداره ينتظرون ، وهو يقرأ هذه الآية : « وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ » « 2 » وكان بيده قبضة من تراب فرمى بها في رؤوسهم ومَرَّمِن بينهم ، فما شعروا به ، « 3 » وأخذ طريقه إلى غار ثور ؛ « 4 » فلقى أبا بكر في الطّريق ، وكان أبو بكر قد خرج ليتنسّم الأخبار ، وربّما يكون استصحبه معه ، لكي لا يَسْئله سائل إن كان قد رأى رسولَ الله ( ص ) ، فيقرّ لهم بأنّه رآه ، ثمّ يدلّهم على الطّريق الّتي سلكها خوفاً من أن يتعرّض لأذاهم ، أو خطأ ، أو لأي داع آخر . وذكر الرّاوندي : « أنّه ( ص ) مشى وهم لا يرونه ، فرأى أبا بكر قد خرج في اللّيل يتجسّس من خبره ، وقد كان وقف على تدبير قريش من جهتهم ، فأخرجه معه إلى الغار » . « 5 »

--> ( 1 ) 1 . فَحْمَةُ اللّيل : أوّله ، أو أشدّ سواده ، أو ما بين غروب الشّمس إلى نوم النّاس ، خاصّ بالصّيف ( 2 ) . يس : 9 ( 3 ) 3 . ولعلّ هذه القبضة من تراب قد أشغلتهم بأنفسهم ، وصرفت قلوبهم عن التّدقيق في رصد موضوع خروج النّبيّ ( ص ) ، لا سيّما مع وجود ظلمة قويّة ، فإنّهم كانوا في فَحْمَة العشاء وتحتاج الرّؤية فيها إلى المزيد من التّنبّه إلى إحداد النّظر في نقطة بعينها ( 4 ) 4 . ثور ، اسم جبل بأسفل مكّة على طريق الطّائف ويعرف ب - « غار ثور » نسبتةً لثور بن عبد مناة لأنّه ولد عنده ( معجم البلدان ، ج 2 ، ص 87 86 ) ( 5 ) 5 . راجع : البحار ، ج 19 ، ص 73 عن الخرائج والجرائح . إذا صحّ هذا ، فيرد سؤال : كيف لم يخبر أبو بكر النّبيّ بأمرهم ؟ ! إلّا أن يقال : إنّه إنّما جاء ليخبر النّبيّ ( ص ) بذلك : ولكنّ الأهمّ من ذلك : كيف أطلعت قريش أبا بكر على تدبيرها مع حرصها الشّديد عن التّكتّم فيه ، عن كلّ من له بالنّبي أدنى صلة .